آراء وتحليلات
استهداف الضاحية الجنوبية .. هل يدفع لانهيار وقف النار؟
أدى العدوان الصهيوني على الضاحية الجنوبية لبيروت، الأول من نوعه منذ اتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي إلى توليد معادلة جديدة خارجة عن نطاق القرار 1701، بما تعنيه من مضاعفات أمنية وسياسية كبيرة تهدد لبنان في استقراره وسلامه الداخلي.
ولا شك أن العدو كان يطمح منذ فترة إلى توسيع نطاق عدوانه باتجاه بيروت، ومهّد لذلك بتصريحات وتلميحات ترمي إلى رفع مستوى الضغط على لبنان، لتحقيق غايتين:
الأولى: جرّ لبنان إلى مفاوضات تطبيع لم تعد الدعوة إليها من الإدارة الأميركية خافية، مرة بعنوان ترسيم الحدود البرية والبتّ بالملفات العالقة بين لبنان وكيان العدو، ومرة أخرى بالعمل من أجل "السلام". ولا شك أن هذا التوجه يُعدّ بمنزلة قفزة فوق آلية تنفيذ القرار 1701 واستعجال للوصول الى إنجاز سياسي يحتاج إليه رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو للقول لجمهوره إن القوة العسكرية نجحت في انتزاع "اتفاقية سلام" مع دولة عربية أخرى، كما يحتاج إليه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مساعيه لحصد اتفاقيات تطبيع إضافية تضاف إلى تلك التي رتّبها عام 2020 بين كيان العدو وكل من الإمارات والبحرين والسودان والمغرب.
الغاية الثانية: دفع لبنان إلى المباشرة بنزع سلاح المقاومة لإراحة "إسرائيل" وتقوية موقعها على مستوى المنطقة ككل. ويتلاءم هذا الهدف مع الإستراتيجية الصهيونية الجديدة- القديمة التي تعمل لتدمير كل مكامن القوة في بلدان المنطقة بدعوى إحباط تكرار ما حصل في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 على يد المقاومة الفلسطينية. ويوظف العدو كل الدعم العسكري والسياسي الأميركي الذي يتوفر له من أجل ما يسميه "إنهاء المهمة" التي باشر بها منذ ذلك الحين على جبهات عدة: غزة، لبنان، وسورية. ولهذا، انمحت التباينات بين التوجه الصهيوني والسياسة الأميركية بحيث أصبحا شيئاً واحداً، وانقلب الرئيس الأميركي ترامب على وعده الانتخابي بإنهاء الحرب في غزة والحروب في المنطقة، بعدما تمكن نتنياهو ومؤيدوه داخل الولايات المتحدة من إقناع ترامب بفوائد استثمارية عقارية وسياسية لتهجير الفلسطينيين من أرضهم واستكمال الضغط على محور المقاومة بهدف "تغيير وجه الشرق الأوسط"، على ما قال رئيس وزراء العدو بعد عودته من واشنطن في شباط/ فبراير الماضي.
ذريعة في قلب الذريعة
على ضوء ما سبق، ثمة قناعة مشتركة لدى العديد من الجهات اللبنانية، على اختلاف في توجهاتها، بأن إطلاق صواريخ من لبنان في اتجاه فلسطين المحتلة (ولا واحد منها نفذ إلى الداخل الفلسطيني المحتل !) ليس مجرد ذريعة مكشوفة لتصعيد العدوان اليومي الحاصل على لبنان فحسب، بل هو "فيلم" معدّ مسبقاً لاستئناف الحرب "بالقطّارة" بهدف تحقيق الغايتين المشار إليهما آنفاً. ويستغلّ العدو، وخلفه وإلى جانبه الإدارة الاميركية، حسن نوايا لبنان في تنفيذ القرار 1701 لرفع وتيرة التهديد والضغط العسكري اليومي الذي يمتد من القرى الجنوبية الحدودية الأمامية وصولاً إلى الحدود اللبنانية- السورية في أطراف الهرمل.
وعزّز إطلاق صاروخين بتاريخ 28 الجاري من منطقة قعقعية الجسر بقضاء النبطية في الجنوب اللبناني، بعد ستة أيام على إطلاق بضعة صواريخ من بلدة يحمر الشقيف في القضاء نفسه، الاعتقاد بأن ما جرى في المرة الأولى لم يكن عملاً عشوائياً أو حتى رد فعل على استئناف العدو حربه على غزة، وبأن الجهة التي تقف وراء هذا العمل لا بد أنها تقدّر مسبقاً ما سيترتب على ذلك من جهة العدو، وما تكرار الفعل نفسه إلا إيغال في إحراج لبنان وتوفير ذريعة للعدو الذي يتحين الفرص لتوسيع نطاق غاراته.
وما يزيد من الشبهات حول الغاية من إطلاق الصواريخ اليتيمة، أن لدى العدو أهدافاً جاهزة مسبقاً، عبر ادعائه بأنه قصف منشأة للطائرات المسيّرة في المباني السكنية في منطقة الحدث على أطراف الضاحية الجنوبية، وهي ذريعة أخرى تقع في قلب الذريعة الأولى المتعلقة بإطلاق الصاروخين.
وجاء إعلان رئيس حكومة الاحتلال في أعقاب ذلك بأن "المعادلة تغيرت" وأن "إسرائيل ستواصل فرض وقف إطلاق النار بالقوة ومهاجمة أي مكان في لبنان يهدد أراضيها"، ليؤكد أن الموضوع لا يتصل بإطلاق صواريخ أو حتى بإعادة المستوطنين إلى شمال فلسطين المحتلة، بقدر ما يشير إلى توسع العدو في "الاجتهاد" بإنتاج تأويلات لشروط أمنه لا تتناسب مع الواقع على الأرض حيث الالتزام بوقف النار هو من جانب لبنان وحده. ولاحظت دوائر غربية، وعبّر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن ذلك صراحة، بأن الرد الإسرائيلي على إطلاق الصاروخين تجاوز هذا الفعل أضعافاً مضاعفة بشكل غير مقبول، ويُعدّ "إجراءاتٍ من جانب واحد" تنتهك وقف إطلاق النار.
إنهاء خصوصية الضاحية
منذ التوصل إلى وقف إطلاق النار قبل أربعة شهور، لم يتوقف العدو عن قصف مناطق عدة في جنوب لبنان والبقاع، من دون أي إطلاق لصواريخ من لبنان. وقدّم مزاعم مختلفة لقتل ما يصل إلى مئة شخص وجرح عدد آخر وتدمير مبان سكنية، من ضمنها إحباط "تهديدات أمنية" وضرب "منشآت تخزين أسلحة" واغتيال كوادر في المقاومة، وجوهر هذا العدوان المتمادي هو الحفاظ على "حرية التدخل العسكري" في لبنان بالاتفاق مع الإدارة الأميركية، بما لا ينسجم مع منطوق القرار 1701 الذي يحيل أي ادعاء بوجود انتهاك إلى اللجنة المختصة للنظر في معالجته.
مع ذلك، بقيت الضاحية الجنوبية حتى الأمس بمنأى عن العدوان المباشر، ولو أنها تتعرض لاستفزازات متواصلة من طلعات الطائرات المسيرة الإسرائيلية، أو من الطيران الحربي كما حصل في يوم تشييع الأمين العام لحزب الله السيد الشهيد حسن نصر الله. وتكتسب الضاحية خصوصية معينة بالنظر إلى أنها تعدّ مركز القرار السياسي لحزب الله وأقرب إلى العاصمة بيروت. وعليه، يُومئ استهدافها إلى تطور خطير قد يكون له ما بعده.
ويمكن ربط التصعيد الصهيوني الجديد بمؤشرات مقلقة في المنطقة:
- استئناف الحرب على غزة، بالتوازي مع تنشيط العدو مخطط تهجير أهلها.
- استمرار الغارات على سورية واحتلال المزيد من أراضيها الجنوبية.
- التصعيد الأميركي ضد اليمن.
- التهديدات الأميركية لإيران.
ويترافق ذلك كله مع تأزّم الموقف الداخلي في كيان العدو، بعدما انكشفت ألاعيب نتنياهو في موضوع استعادة أسراه، وبات واضحاً للجميع أنه يعوّم حكومته على مشروع استمرار الحرب وتأجيج أوارها، مستفيداً من دعم إدارة ترامب المفتوح.
وبناءً على ذلك، يُعتبر استهداف الضاحية الجنوبية للمرة الأولى منذ وقف إطلاق النار كسراً لما تبقى من مفهوم وقف النار، وفاتحة ربما لاستهدافات أخرى قد تتكثف مع الوقت، على غرار ما هو حاصل في مناطق الجنوب والبقاع. وهذا يعني - في حال تحققه- تهديداً بانهيار وقف إطلاق النار برمّته.
وتقف المقاومة خلف الدولة اللبنانية في معالجة هذه الاعتداءات، غير أن استمرار انتهاكات العدو يضرّ بشدة بمكانة الدولة اللبنانية، وسيرتّب أعباء كبيرة على قدراتها الهشّة. يضاف إلى ذلك أن اشتراط نزع سلاح المقاومة وإجراء مفاوضات سياسية بين لبنان وكيان الإحتلال لوقف التصعيد الحاصل من جانب واحد، يمثل تعجيزاً للحكومة اللبنانية ستكون عواقبه غير محمودة. وهذا يفضح مصداقية التصريحات الأميركية بشان تقديم الدعم للبنان في استعادة سيادته على أرضه ومساعدة دولته في إعادة بناء مؤسساتها.
حزب اللهالضاحية الجنوبيةالاعتداءات الصهيونية على لبنان
إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات
29/03/2025
رفع رايات الاستسلام أولى أم ستر البلايا؟
28/03/2025
العراق وفلسطين ويوم القدس العالمي
التغطية الإخبارية
اليمن | مدير مديرية جزيرة كمران: لا يوجد أي خسائر بشرية نتيجة العدوان الأميركي على الجزيرة
إعلام العدو عن عائلات الأسرى الصهاينة: نشعر بالألم بسبب التوظيف المؤسف لنتنياهو لكلمة "رهائن"
فلسطين المحتلة | اليونيسف: "مقتل" 322 طفلًا على الأقل وإصابة 609 آخرين في قطاع غزة عقب انهيار وقف إطلاق النار
فلسطين المحتلة | استشهاد 107 فلسطينيين جراء الاستهدافات "الإسرائيلية" في قطاع غزة خلال الـ24 ساعة الأخيرة
اليمن | عدوان أميركي بغارتين على جزيرة كمران بمحافظة الحديدة
مقالات مرتبطة

لمناسبة عيد الفطر المبارك.. وفد من حزب الله زار أضرحة الشهداء في صيدا والجوار

لهذه الأسباب لم تستقبل دمشق الوفد اللبناني.. و"نبوءة حاصباني نحو التحقق"

الكلمة الكاملة للأمين العام لحزب الله بمناسبة يوم القدس العالمي

الشيخ قاسم: إذا لم تلتزم "إسرائيل" فلن يكون أمامنا إلا العودة إلى خيارات أخرى

حزب الله شيّع الشهيديْن السعيديْن أحمد أبو زيد وماهر كلاكش

بالصور: إقامة صلاة عيد الفطر المبارك في مجمع الإمام الخميني (قده) - تحويطة الغدير

بالصور| بعد استهداف الضاحية.. تأكيد على ثقافة الحياة مهما كانت التحديات

طلاب المدارس للعدو: جيلنا يؤمن بحقه ولن ترهبه طائرات الغدر

بعد محاولة ترهيبهم بالأمس.. أطفال لبنان للعدو: باقون على العهد

فيديو | ضاحية العز والكرامة على العهد

خروقات الاحتلال مستمرة.. رشقات رشاشة في رميش وإلقاء قنبلة صوتية بين بلدتي يارين والضهيرة

حمادة: هل من مؤشّر على حياة اللجنة الخماسية المراقِبة وما دورها وسط الاعتداءات المتكرّرة؟

الشيخ القطان: نحن مع الدولة القوية والجيش الوطني شرط مواجهة غطرسة العدوّ وانتهاكه السيادة
